تلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولن تموت

    شاطر

    شموخ الحق
    Admin

    عدد المساهمات : 853
    تاريخ التسجيل : 05/02/2010

    تلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولن تموت

    مُساهمة  شموخ الحق في الجمعة مارس 26, 2010 12:58 pm

    تلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولن تموت

    الكاتب : أبو قتادة الفلسطيني
    من أحسن الحديث
    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن بهداهم اهتدى.

    وبعد:

    لم أكن بفضل الله تعالى أكثر ثقة ويقين بنصر الله تعالى لهذا الدين وأهله كما أنا عليه اليوم، وإن ديناً يتجدد عطاؤه اليوم في عصوره المتأخرة كما كان في أيام نزوله لدين عظيم والله، وقد وجب علينا أن نردد ما كان يقوله الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في قيام الليل ويردده: "ووعدك حق".

    فوعد الله تعالى حق ولن يتخلف، لكن لهذا الوعد سنة جارية في حضوره لا تتخلف، هي أنه لعظمته لا يأتي إلا مع البلاء والمحن، وهذا هو سر الوجود وهو أن تنبثق الحياة مع الألم، ويتفجر العطاء مع المحن، ولولا هذا السر لما كان للعطاء قيمة ولا أهمية، لأنه حينئذ يكون مبتذلاً يلتقطه كل واحد، وهذا يمنع معنى الفضل فيه ويرفع خصوصيته.

    تعال معي يا عبد الله الى آية جليلة عظيمة في تاريخ البشرية،آية كونية؛ كانت رحمة لخلق آمنوا بها على وجهها وصدقوا بها، ونقمة على قوم آخرين كفروا بها وحملوها على غير وجهها؛

    ألا وهي خلق نبي الله تعالى عيسى عليه الصلاة والسلام؛ هذه الآية الجليلة العظيمة لم تأت إلا مع الألم ولو خُيِّرت أمه مريم عليها والسلام أن لا يقع عليها هذا الفضل الإلهي لاختارته،لما فيه من البلاء عليها وهي الحرة العفيفة، فهي التي قالت وهي في مخاضها وقد حضرت الولادة للنبي عيسى عليه الصلاة والسلام: {يا ليتني متُّ قبل هذا وكنتُ نساً منسيا}، وهي كلمات تحمل كل معاني الألم والخوف من الآتي، وكيف لا تقول هذا وهي تعلم ما سيقول الناس عنها.

    والناس يومها هم أهل البهتان والكذب وهم اليهود.فإنها قد نخيلت ما سيقول الناس من اتهامها في عرضها وشرفها وهي الحصان الرزان ولا تزن بريبة عليها السلام، لكن القدر الإلهي بحصول الفضل لها، واختيار الرب أن تقع الآية عليها دون غيرها لا يمكن أن يخلو من هذا البلاء الجليل العظيم، وتلك سنة الله تعالى في قدوم المنن والمنح الربانية، تأتي على أصحابها رغم أنوفهم، ولو خيروا لاختاروا السلامة من غير معصية ولا ذنب، لكن رحمة الله تعالى تلاحقهم وتأتيهم على قدر الله تعالى دون تقديرهم، وفي الرحمة يكون البلاء وتكون المحنة.

    ومثله ما وقع لأمنا عائشة رضي الله عنها في حادثة الأفك وما اصابها رضي الله عنها من البلاء ومع ذلك قال الله تعالى في الأمر: {لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم}، ولم يكن يدور في خلدها قط أن ينزل فيها قرآن يتلى الى يوم القيامة كما ذكرت هي رضي الله عنها فقالت: (ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله به) أهـ

    فالذين يريدون امامة الخير دون بلاء واهمون ويبنون احلامهم على رمال وسراب.

    في هذه الحالة يقف الناس في فرق شتى بحسب مقام الآخرة في قلوبهم وبحسب رغبتهم عن هذه الدنيا الفانية، وأبعدهم عن الله تعالى وأشدهم إيذاءً لأهل البلاء هم أولئك الذين ملكهم الله تعالى ألسنة الشر، منافق القلب عليم اللسان، هذا الذي يقف ليفسر كل الحدث بحسب ما فات الناس من دنياهم وما خسروا من رغباتهم، فالآخرة لا حضور لها في قلبه، يتحسر على الموتى حسرة أهل الجاهلية إذ يراهم قد خسروا الدنيا وهي عنده كل شيء ولا شيء بعدها.

    فلا يرى الشهادة ولا ما أصاب الشهداء من الفضل الالهي وذلك بأن اختصهم الله بأن قبل منهم دماءهم وأرواحهم عنده ليجزيهم بها خير الجزاء وأحسنه، وينظر فلا يرى الا المساجين والأسرى قد حوتهم الجدران والأقفاص فينقطع قلبه حتى يقول لك: {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم}.

    ولا يرى بل يعمى عن رؤية ما أصاب الناس من فضل التمحيص ليحصل الخير صافيا في نفوس الناس لا دخن فيه، فالتبر لا يخلص ذهبا حتى يفتن بالنار، والبلاء هو فتنة الصالحين، ومن ذلك ان الله يحب تأوههم وبكاءهم ويعجب لدموعهم وهي تستغيث به وترجوه وتساله الرضىوالنجاة والقبول، وكيف لا يحب الله تأوههم وإمامهم ابراهيم عليه السلام؛ امام أهل البلاء والمحنة وقدوة اهل التضحية، فهذا النبي العظيم مدحه الرب جل في علاه بأنه أواه حليم وأواه منيب.

    فبالله عليكم من اصفى قلبا ومن أرقها؟!

    أهؤلاء المنعمون على الفرش المالؤون بطونهم، المستكثرون من دنياهم؟اذ قدلا يخطر على بال الواحد منهم ان يبكي بين يدي الله تعالى، فهولا يشعر أن له حاجة عند الله ليسأله اياها، فلايستغيث به استغاثة ذي النون عليه السلام في بطن الحوت وهو الذي قال الله عنه: {فنادى في الظلمات أن لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين}.

    وتأمل ثم تأمل كلمة "نادى" لترى فيها حال الداعي وشدة طلبه لقضاء حاجته.

    هؤلاء القوم الذين شابهوا الكفار والمشركين من أهل الكتاب الذين قال الله تعالى عن قولهم بعد حصول البلاء لأهل الإيمان بعد أحد: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين اشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}.

    هؤلاء الذين لا هم لهم الا: {سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير}، فليس لهم الا ألسنة الشر؛ كرماء فيه بلا منع، لكنهم على الخير وأهله بخلاء أهل منع وشح:

    لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق ان لم يسعد الحال

    فحسبنا الله ونعم الوكيل.

    أما واقع الحال فوالله مليء بالبشارات رغم كل المحن، بل هي في الواقع تتلألأ كالجواهر الثمينة وسط الركام الكثيف، ووالله عميت عيون لا ترى كل هذه المنن الا وساءت ظنون بربها لا ترى هذه البشائر الجليلة الشريفة القادمة من وراء سدف الغيب تحث الخطا في كل البلاد والصعد والأقطار.

    في قصة الحياة التي نحياها في الصراع بين الحق والباطل، بين الإسلام وخصومه، هي قصة تمتد منذ الأزل وهي علة الوجود فإليها تعود كل الحقائق لأنها بين من آمن بالله وبين من كفر به، وقيمة الحياة إنما تكون من خلال ميزان الإيمان ومعياره، فكل ما فيها باطل كما قال الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه، إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالماً ومتعلماً، ومعيار النصر والهزيمة هو من خلال تحقق العبودية في نفس المرء، فقمة النصر هو تحقق التوحيد والإيمان، والهزيمة هي التراجع عن قيم الإيمان والتوحيد، وتلك هي حكاية الحياة.

    هذا الكلام لا نقوله حتى نعيش الوهم أننا في نصر، لا والله، فنحن نعلم أن دولة للإسلام قد زالت اليوم، وأن شباباً للإسلام قد قتلوا وسجنوا، وأن الكثير من أهل الإسلام في تشرد ومطاردة، كل هذا نعلمه، لكن نعلم كذلك أننا في هذه المحنة حققنا أعظم نصر منذ أن سقطت الخلافةالإسلامية.

    ذلك أنه لما سقطت الخلافة الاسلامية كانت هزيمة لأهل الاسلام منكرة، لا لأن دولة الاسلام قد زالت فحسب، فهذا أمر سنني في تداول الخلق، كما قال تعالى: {وتلك الايام نداولها بين الناس}، وكما قال العربي قديما: "يوم لنا ويوم علينا... يوم نساء ويوم نسر"... لكن الهزيمة العظمى يومها حين تراجع الاسلام في نفوس أهله، وحين صارت المعركة لها رايات أخرى غير راية الاسلام، وحين ارتد الناس الى جاهليتهم فتلك والله كانت الهزيمة الكبرى الشنيعة.

    حين ضاعت فلسطين في النكبة الأولى كانت هزيمة وأي هزيمة؛ فقد جالت فينا الشياطين جولتها، وانتشر الالحاد بين الشباب، ودخلت المفاهيم والعقائد الغربية الينا؛ فهذا شيوعي وهذا بعثي وهذا قومي وهذا يميني وهذا يساري وهكذا، هذه هي الهزيمة في الدنيا والآخرة.

    أمتنا طردت الاستعمار الأجنبي من الأرض في مطلع القرن الماضي، فهل كان خروجه واستقلال البلاد كما سموه نصرا؟!

    لا والله بل هو تكريس للهزيمة، لأن الإسلام لم يكن هو البديل عن حكم الكافر الأجنبي، بل ابتلينا بكافر مرتد أقذر وأشنع وأسوأ من الكافر الأصلي.

    إذا تأملت هذا يا عبد الله وأنعمت فيه النظر علمت ما هو ميزان الحكم على الحوادث والنوازل، ثم علمت ما هو النصر على حقيقته وما هي الهزيمة على حقيقتها.

    ثم تأمل قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} فماذا ترى النصر وقرينه في هذه السورة الجليلة؟

    إنه: {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا}.

    إن النصر هو عدم اهتزاز يقين الناس، وعدم فقدانهم لثقتهم بهذا الدين العظيم، وثباتهم على مبادئهم العظيمة التي آمنوا بها.

    فماذا ترى اليوم لو تأملت ما وقع الى الآن من المعركة؟ ذلك لأن المعركة لم تنته بعد، والكلمة الأخيرة في قصة الصراع لم تكتب، فما زال في حكاية الصراع بيننا وبين الباطل سطور، بل وسطور كثيرة ستكتب بالدم والدخان والعرق والنار، أقول؛ فماذا ترى اليوم وقد سقطت حركة طالبان الاسلامية، ومات شهداء، وسجن شباب، وتشردت عائلات وأهالي؟

    إن سألتني ما أرى، وما أسمع؟ فألق إليَّ بعض انتباهك:

    والله ما أرى إلا إقبالاً على دين الله تعالى وزيادة تمسك أهله به، ولقد شهدت بعض من كان يأمل أن يقوده صدام حسين البعثي الى النصر وتحقيق الوعود الإلهية، فلما انكشف الغطاء على كذب وكفر ذاك البعثي انتكس الرجل في دينه وصدرت منه كلمات الردة والكفر، لكني والله وأنا المتابع لم أر في هذه المعركة - التي هي بين الأخوة المجاهدين في أفغانستان والصلبيين والأحزاب الكافرة - من ندم أنه وقف مع الحق أو قال كلمة حق، ووالله شهدت من مات له حبيب فما زاد أن خلط مع حزن الفراق فرح الإيمان أن حبيبه مات شهيداً في سبيل الله تعالى.

    ثم والله لا أرى إلا رغبة في الشهادة في سبيل الله تعالى في نفوس الشيوخ والكهول والشباب، وإن أحدهم يخبرني عن أبيه المسن أنه ليس له رغبة في هذه الحياة سوى أن يصنع ما يصنع شباب الإيمان في فلسطين.

    وإني لأشهد أني لا أرى في شباب الإسلام ممن لم يشهدوا المواقع إلا حزناً أن فاتتهم الموقعة وفاتهم لقاء الرحمن شهداء، وإنهم ليقولون ما قال أنس بن النضر رضي الله عنه لما فاتته معركة بدر الكبرى قال: (لئن أشهدني الله موقعة أخرى ليرين الله ما أصنع).

    فهل هذه الموقعة وهذه المواقع التي يشهدها أهل الإسلام في أفغانستان وفلسطين وكردستان والفلبين وكشمير والشيشان وغيرها من بلاد الاسلام تصنع نصراً وإيماناً، أم أنها صنعت هزيمة وتراجعاً؟! تأمل وتدبر تجد الجواب، لكن دعك من أهل الإرجاف والتخويف والتثبيط.

    دعك من الذين يقولون كما قال أئمتهم: {غر هؤلاء دينهم}، قالوها بعد موقعة أحد حين أصيب أهل الاسلام بجرح لم يكن إلا كما قال الشاعر:

    لعل عتبك محمود عواقبه وربماً صحت الأجسام بالعلل

    دعك من الذين قالوا: "لقد ورطونا وورطوا الأمة".

    يقولونها نصرةً لطرائقهم البدعية، وجماعاتهم الهرمة، ومذاهبهم العجيبة.

    فهؤلاء لو انتصر الاسلام على غير أيديهم لما عدوه شيئاً، لأنهم اختزلوا الاسلام في ذواتهم وأحزابهم، فلا يرون الخير إلا في شيوخهم، فميزان النصر عندهم ميزان خاص عجيب حتى إني رأيت لأحدهم عجباً عُجاباً، وذلك أنه عدّ تعيين واحد من حزبه في منصب وزير لوزارة خدمات لا يحل ولا يربط عدّ هذا تمكيناً لأهل الاسلام في الأرض، فهذا نصر لأنه من حزبه وعلى يدي جماعته، وأما دولة طالبان الاسلامية بكل خيرها لم تكن عندهم شيئا.

    دعك من هؤلاء الذين جلسوا على أفواه السكك كقطاع الطريق ليس لهم إلا هم الجلد وممارسة المشيخة الكاذبة على مجموعة صبية صغار لا يعرفون إلا بركة الشيخ وتقديسه، يعيشون في دورة صغيرة عجيبة: "هم جهلة يمرحون وأشياخهم أجهل يجلدون".

    دعك أخي المسلم؛ من الذين يريدون عزة الاسلام ويريدون تحقيق الخلافة الراشدة وهم يصارعون أهل الاسلام فقط على مسجد يتقاسمونه أو على التقاط صاحب جيب لا نظر لهم إلا الى ماله، فإذا استطاع تسجيل خطبة له أو درس طار به كأنه أتىبعنفاء مغرب وتحقق النصر.

    دعك من هؤلاء ومن أمثالهم الكثير ممن لا يرون الحياة إلا رغداً وترفاً،ووجه نظرك الى مقدار تحقق العبودية في الخلق حينها سترى الكثير من الخير.

    سترى أخي مع ما تقدم أن أهل الاسلام وأهل الجهاد منهم خاصة هم الذين يقيمون الحجة على الخلق، فهم الذين حاكموا الكفر كله، وهم الذين كشفوا باطله، وهم الذين يقرعون العقول لئلا تنخدع من تلبيسات الظلم والحيف الذي يعيشه العالم فتحقق في هؤلاء فضل الأمة بأن جعلها شهداء على الخلق، كما قال الله تعالى في الآية التي ابكت حبيبنا المختار: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}.

    فمن الذي يصارع قوى الكفر اليوم سوى شباب الجهاد وأمة الاسلام، فالكل قد رضخ ورضي من الغنيمة بالإياب وكأنه خدع بلعبة نهاية التاريخ، فقد انتهى كل شيء ولا أمل، فأمريكا هي السيد المطاع، وهي الآمر الناهي، ولا حل سوى الدخول في ركابها، والإنضمام الى خيلها ورجلها، فهي التي نادت في الخلق: "أنا ربكم الأعلى"، وتبجحت حتى نطق زعيمها وقال: "ما علمت لكم من إله غيري"، وسارت كما سيسير تابعها الدجال، معها على يمينها جنة الوهم الكاذبة، وعلى يسارها نار الوعيد والتهديد، تتبختر وتملأ الأرض من زهمها ونتنها، فهذه القرية العاتية الظالمة من يقف لها اليوم وهي التي سلبت ثروات الشعوب فهم في فقر مدقع وهي في غنى وثراء كما هو حال المكسيك، فهذه الدولة التي تعد من أوائل الدول في الثروة النفطية ومع ذلك مدينة بأرقام فلكية ولا تملك من ثروتها قطرة واحدة، لأن أمريكا سلبتها كل ذلك وكما فعلت في الكويت والسعودية.

    وهي التي قضت على حرية الدول وخصوصا منها العربية والمسماة بالاسلامية، فهم كالدواب، نعم يأكلون ويشربون لكن لا يملكون لأنفسهم قراراً ولا كلمة كما هو شأن اليابان وألمانيا كذلك.

    وهي سيدة القرى في مجلس الأمن، فكلمتها النافذة وأمرها المطاع، وأمريكا هي التي أبادت شعوباً كاملةً كما فعلت مع الهنود الحمر وبارقام فلكية لا يمكن تصديقها بلغت على أقل تقدير مأتي مليون انسان ويقدرها مطران نصراني شهد المأساة بمليار هندي أحمر، والكل ساكت وراضٍ أن أبقت لهم بعض حياة على هامش هذه الدنيا.

    هذه القرية الظالمة من الذي أحضرها للمحاكمة والمسائلة!

    ومن الذي أنزلها من كبريائها الى محكمة التاريخ؟! أليسوا شباب الاسلام؟ بل أليسوا شباب الجهاد؟

    وهنا أخي الحبيب لا تغرك هذه الصرخات المستعلية، ولا تخدعك مناظر الاستعراض لهذه القرية اليوم فما هذه الا فقاعة صابون وستجري عليها سنة الله تعالى في أخذه للقرى الظالمة.

    تذكر ما قاله الله تعالى وتنعم فيه تسلم.

    إقرأ معي قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى الظالمة إن أخذه أليمٌ شديد}.

    وتأمل قوله تعالى: {أخذه} فإنها تدل على تمام مكر الله تعالى بهم وبهذه القرية اللعينة الفاجرة، وهي تدل على أن هذا العذاب لا يقيم لهم قائمة، وهذا بخلاف ما يصيب المؤمن من البلاء فإنه وإن اشتد عليه إلا أنه لا يقضي عليه ولا يفنيه وقد فصل هذا حديث النبي؟ أجمل تفصيل وأبدعه وذلك في مثل للحالين، حال المؤمن مع البلاء، وحال الكافر مع العذاب الدنيوي، فمن حديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تُفيئها الريح، تصرعها مرة وتعدلها أخرى حتى تهيج، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على أصلها، لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة) [1].

    فالمؤمن لا تكسره الإبتلاءات والمحن وإن بدت أنها قضت عليه وانتهى، بل هي تميله مع بقائه على أصله، وأما الكافر فإن عذاب الله تعالى في الدنيا يقضي عليه ويزيله، وهذا الأمر لو أخذته على فهم السنة الإلهية الكونية في الخلق لرأيته ينطبق تمام الانطباق لا يُخرم أبداً، فكم من أمة كافرة عظيمة القوة والسلطان مرت على هذه الأمة، فهل ترى لهم اليوم ذكراً أو وجودا؟ لا، بل ذهبوا وبادوا وصهرتهم الأمة حتى لو طال زمانهم في أرضنا، وبقيت هذه الأمة عصية على الافناء والدمار والزوال، وكان أشد ما أصابها هو تبديلها لدينها في محنة التغريب الأخيرة حيث حلت فينا قيم الجاهلية، وخرجت طوائف من هذه الأمة تلحق بالمشركين، ولكن بفضل الله ها هي جموعٌ من الأمة تعود لدينها، بل ودينها الصحيح الذي تعرفه من خلال توحيد الله تعالى والبراءة من المشركين.

    وإن سبب هذا الأخذ الشديد إنما هو الظلم، فالظلم هو سلطان الله تعالى بلحوق العذاب على القرى، وهو أسرع ما يأتي بالنقمة، وإنه كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) [2].

    وإن من مكر الله تعالى بهؤلاء أن يأخذهم وهم في أوج سلطانهم، كما قال تعالى: {فخرج على قومه في زينته}، فماذا كان لقارون وهو في وهمه؟ والناس يتمنون ماله: {قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظٍ عظيم}.

    أما أهل الدين والعلم بعواقب الظلم والكفر والطغيان فهم الذين نظروا الى رضى الرحمن: {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم، ثواب الله خيرٌ لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون}.

    إي والله ولا يلقاها إلا الصابرون.

    في الزينة وبين قومه كان العذاب: {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين}.

    فهذه هي سنة الله تعالى في أخذ الظالمين، وذلك أن يأخذهم في أوج استكبارهم وعلوهم ورفعتهم - كما قتل السادات وهو في أوج كبريائه -

    وكما قال الله تعالى عن فرعون وجنوده: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون، فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، وجعلناهم أئمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين}.

    فما ترى من هذه القرية الظالمة - وهي أمريكا - من استعلاء إنما هي القهقهية الأخيرة، ووالله إن العقلاء فيها مشفقون عليها لما يرون من سفاهة أهلها وقادتهم، وكان الناس يتساءلون لِمَ لَم تتعظ أمريكا مما حصل معها؟ ونسوا سنة الله تعالى الجارية في الظالمين أنَّ بصيرتهم معطلة وأن تفكيرهم بالعواقب لا وجود له.

    ولكن عليك أخي المسلم أن لا تستعجل، فلا بدّ للأمور من جريانها القدري الذي لا مفر منه ولا بديل عنه.

    ثم اقرأ معي قوله تعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطورا}.

    فلا بدّ للقرية من هلكة وإلا فعذاب، وأما الهلكة فلأن كبرياء الله تعالى تمنع حصول الضد لها، والعلو والارتفاع واستقرارهما تأباهما كبرياء الله تعالى، وهو ظاهر بين في تاريخ البشرية، وقد نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك أن ناقته عليه الصلاة والسلام لم تكن تسبق، فجاء اعرابي على بعيرٍ له فسبقها، فشق ذلك على أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ما ارتفع شيء إلا كان حقاً على الله أن يضعه) [3].

    و "شيء" منكرة لتدل على الاستغراق والعموم، فسبحان الذي جعل العزة إزاره والكبرياء رداءه، وأما العذاب فهو عقوبة العصيان والظلم والطغيان.

    والرب يغار؛ ومن يغار ويملك القوة فلا بدّ أن ينتقم ممن تجرأ على حماه ومحارمه، وهذه القرية - أي أمريكا - الحقيرة الذليلة علت وعصت.

    ثم اعلم أن سنة الله تعالى اليوم هي هي كما كانت وستبقى، وإياك أن تظن أو يأتي على وهمك أن سنة الله تعالى الكونية اليوم قد تغيرت، حيث صار بدل الحمار طائرة، وبدل الرمح صاروخاً، فكل هذا من مكر الله تعالى بالظالمين، حيث يكون الأخذ الشديد.

    إن هذا العلو للقرية الظالمة الذي تراه اليوم يا عبد الله خداع زائف لا أساس له ولا قرار، وسل إن شئت كم تحتاج هذه القرية الظالمة الى هزة لتكون قاعاً صفصفاً، يتهارش أهلها فيها تهارش الحمر، وتختلف كلمتهم حتى يقتل بعضهم بعضاً.

    وسل إن شئت أهل الخبرة الى أي درجة هذا الاقتصاد متيناً يتحمل الهزات والكوارث، وهل هذه الأوراق البنكية تصمد أمام محن التاريخ أم أنها ستصبح وبالاً وسبب هلاك أهلها.

    وسل إن شئت أهل المعرفة عن روابط هذا المجتمع، وعن قواعده الاجتماعية هل تصلح لتمنع الناس من أن يأكل بعضهم بعضاً، ويسفك بعضهم دماء بعض حين يحصل بعض الانفلات الأمني، فكم في كل دقيقة يحصل من حوادث السرقة، والقتل، والاغتصاب، وهل هذه القشة الخادعة ستصمد كثيراً مع عامل الزمن الذي يزيدهم أمراضاً وشيخوخة.

    أما إن سألت عن مواطن الصراع بيننا وبينهم فإياك أن تخطيء عينك الحقيقة التي يراها كل مؤمن.

    في فلسطين؛ قد تخلى المرتدون عن الأمر، وزادوا البلاء على أهل الاسلام بلاءً، وكان آخرها ما صرح به الملعون ولي العهد العاهر السعودي حيث تاجر بدماء الشهداء، وبتضحيات أهل الاسلام ليجعل كل ذلك ثمناً لبقاء دولة يهود على أرض فلسطين، ومع ذلك فماذا ترى هناك؟

    هل ترى تراجعاً أم هو الإقدام من شباب الاسلام نحو الشهادة والموت في سبيل الله تعالى؟

    هل ترى استسلاماً أم ارادة الصمود حتى لو أدى ذلك الى الموت عن آخرهم؟

    ضع دائماً الأمور في نصابها ولا تقع ضحية الاحصاء الكاذب ذلك بأن ترى البلاء ولا ترى العطاء، وترى المحن ولا ترى المنح، بل حين يكون الحساب متعلقاً بالشعوب وتاريخها لا حساب التجار بقرشهم ودرهمهم تكون قيمة الارادة في نفوس الشعوب هي الحياة وهي النصر.

    وإن شئت دليلاً من الزمن الحاضر على قيمة ارادة الشعوب حتى لو كانت كافرة فانظر الى جنوب أفريقيا وتأمل ما فيها من عبر تعرف لمن تكون الخواتيم.

    لقد أقيمت دولة يهود حين كان اليهودي صاحب ارادة وهمة للوصول الى هدفه، وقد ضحى بالغالي والنفيس لتكون له هذه الدولة، ولم تأته كما يظن البعض على طبق من فضة، بل عانى وقاسى وبذل حتى تحقق له ما أراد، ووقتها كانت أمتنا قد علقت آمالها على حكام مرتدين جاؤوا بعد هزيمة ما يقال له بالاستقلال، فرجوا منهم الخير فما زادوا الأمر إلا شراً وعذاباً، مع أن اليهود يومها كانوا مجرد عصابات وجماعات لا دولة لهم ولكنهم بالارادة تحقق لهم ما يشتهون.

    واليوم من هو الذي يملك هذه الارادة؟

    ومن الذي طلب الموت مظانه؟

    لا شك أنك معي في الجواب.

    واعلم أن من يملك هذين الأمرين سيكون له مراده وستوهب له الحياة.

    في أفغانستان: هذا البلد الذي كان قدره في هذه الحياة أن يكون آية، سواء كان في جاهلية أو اسلام، فهل تظن أن هذه الآية قد بطل مفعولها اليوم مع الغازي الجديد؟

    تعال وتأمل:

    كل الغزاة وطؤوا أرضه بسهولةعجيبة حتى ليخيل إليهم أنهم في رحلة صيد، فما أسهل أن يتراجع أهلها بطريقة تذهل كل مراقب، حتى أن العرب الأنصار في الجهاد كان يتعبهم هذا الأمر ويحق لهم أن لا يرضوه، ولو تأملت التاريخ القريب جداً في هذا البلد لرأيت أن الكل يتراجع أمام الكل، وأن أمر التخلي عن الأرض في المعارك لا يعدُّ قضية تُؤرق نفسية المقاتل، حتى إن أحد الأخوان الأنصار قال لي أنه قال يوماً لأحد قادة طالبان وهم يقاتلون مسعود على حدود كابل وقد تراجعوا أمامه بطريقة مذهلة لولا مجموعة من شباب الأنصار العرب صدوه عنها، قال له: لماذا تتخلون عن كابل بهذه السهولة؟

    فرد عليه الأفغاني الطالباني: لا عليك ليأخذها ولا بأس في هذا، وسنأخذها منه بعد ذلك.

    عجب والله وإيما عجب، وكأن القوم يتصارعون مع خصومهم لا على من ينتصر ولكن على من يصبر.

    وهم لا يهمهم ولا يعنيهم كثيراً ما يقول الناس عنهم، وليس هذه من قيم الحياة الكبيرة لديهم.

    ثم ثانية:

    مبدأ الغنيمة هو جزء من حياتهم، فالقتال حياة على معناه الدنيوي حتى ولو خلا من حقيقته الجهادية وتحصيل الآخرة، وهذا أمر قد يزعج بعض الأخوان ولكن حين يصبح الجهاد حركة أمة كاملة لا طائفة ونخبة فلا بدّ من هذه الاعتبارات لأهميتها في حسم الصراع وفي استدامته أولاً.

    إن من خبر طريقة القوم في القتال ضد خصومهم يرى أن مبدأ الغنيمة أمر مهم في التحريك والتفاعل، وقد قال هذا الأمر الرجل الذي خبرهم حتى النخاع خلال الجهاد ضد الدب الروسي صاحب كتاب "فخ الدب" وتحدث في هذا الباب عجباً عن أهل أفغانستان، وقال بأنه لم يحصل قط أن قام المجاهدون الأفغان بعملية ذات شأن ضد الروس إلا وعين المقاتلين الى ما سيحصلون من غنيمة في المعركة، فإذا خلت المعركة من هذا الأمر فمن الصعب بل لم يحدث قط أن تحركوا معها أو فعلوها.

    وقد علم الأنصار العرب أن بعض مناطق الجهاد في أفغانستان كان المجاهدون يتركونها رجاء أخذ العدو لها حتى تمتليء بالطعام والذخيرة فيعودون ويقاتلون عليها فيحصلون الغنيمة الجديدة.

    هذا المبدأ ليس عجيباً ومن ظن اأنه فريد في التاريخ الاسلامي مع الجهاد فهو مخطيء، فإن شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقرر أنه قلما خلص جهاد الناس عند المتأخرين عن رغبة الملك والغنيمة.

    يقول رحمه الله تعالى: (فإنه لا بدّ من أحد أمرين إما ترك الغزو معهم - أي الأمراء الفجار والعسكر كثير الفجور - فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضرراً في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الاسلام وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه) انتهى.

    وها أنت ترى الآن كيف يتحرك الخير هناك وعلى طريقته، وقطعاً أنك لن تفهم الأمور جيداً إذا كنت من أهل الوهم والأحلام وهو أنك تتصور المعارك كما تتخيلها؛ وهو ما يصوره البعض بأن يأتي أهل الاسلام على خيول بيضاء يصرخون وهم شاهرون أسلحتهم فما هي إلا لحظات حتى تترك ساحة المعركة وقد أبيدت خضراء الأعداء، لا، دعك من هذه الأوهام، وإن شئت فاقرأ بالتفصيل ما كتب في ثنايا السطور عن الحروب الصليبية تدرك أن الانهاك الذي كان يقوم به طائفة العلم والجهاد هو الذي حقق النصر في المعارك الكبرى لا المعارك الكبرى ذاتها، بل لم تكن هذه المعارك الكبرى كحطين إلا محصلة لمعارك صغيرة لا تكاد تذكر في التاريخ لكنها كانت الأرقام الأولى لتشكل النصر الكبير النهائي.

    وها أنت اليوم أخي الحبيب تقرأ وتسمع كيف أن القضية ما تزال تسير على سنتها وبابها، و لم تخرم منه شيئاً، ولعل معارك غرديز وخوست الأخيرة ومطار قندهار الذي هاجمه الأخوة أكثر من مرة تعطيك بعض الجوانب فيما تسأل عنه.

    وذاك في ذات الاله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع

    وعجيب من قوم أغلقوا الملف فما بين باكٍ يائس هزته المناظر ولم يعد في قلبه بريق أمل، أو قوم أخذتهم نشوة الاستهزاء والضحك على قوم وثقوا بالله وآمنوا به وبوعده فلم يجدوا شيئاً بحسب نظرهم وحساباتهم.

    إن التاريخ لم ينته وما زال في القصة فضل بقية هو الأجمل لنا في هذه الدنيا، وإن كان أولها أجمل لمعنى الصبر والبلاء، لكن آخرها كما قال تعالى: {وأخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتح قريب}.

    وتأمل في قوله تعالى: {تحبونها} تعلم موقعها في هذه القصة وأين تقع.

    إن العين التي لا ترى إلا ألمها عين مهزومة لا تصلح لخوض الحروب ولا لحمل آمال الأمم وأهدافها، فالله تعالى يقول: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون}.

    إن قصة اليوم هي قصة الأمة في كل أزمنتها وفي كل أوقاتها، هكذا هي، فما الشيء العجيب اليوم نعيشه وهو على خلاف ما نعرف؟!

    يا قوم إن لم يكن لكم في كتاب الله تعالى عبرة وهداية وجواب لما سيقع من قصة هذا الصراع مع هذا القرن الرومي وهذه القرية الظالمة أمريكا فاعتبروا بالتاريخ الذي تتبجحون أنكم تقرؤونه،واعتبروا بالسنة الكونية التي تزعمون أنكم قد هديتم إليها، فأنتم تتشدقون بها أكثر من قراءتكم لكتاب ربكم.

    وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولكنكم تستعجلون) [4].

    وإنه لمن العجب فيما يقع أن يكون أهل البلاء هم أكثر الناس ثقة بنصر الله تعالى، وأن يكون القاعدون هم أهل الشك والريب.

    والسبب واضح؛ ذلك أن القاعدين لا يرون إلا ما يسوقه سحرة فرعون من اعلام وزخرفة القول وانتقاء الصور، فترتجف أوصالهم وتهتز بوادرهم، ويسقط في أيديهم،.

    وأهل البلاء يعيشون رحمة الله تعالى، ويحسون نعمة الله تعالى بأيديهم، وبهذا تستمر بسمة وجوههم، فهذا واحد من جنود الطاغوت الأمريكي الجرحى من معركة غرديز الأخيرة يصف غرائب أهل الإيمان وهو يقصفهم بطائرته ويقول: "لقد كان باستطاعتنا أن نسمع ضحكاتهم وهم يقاتلوننا".

    الله أكبر... الله أكبر...

    وهذا الملا محمد عمر حفظه الله تعالى من كل مكروه يتصل بحاكم قندهار الجديد ويحذره من أن يزيد في عذابه على الناس لأن الأمر لن يطول، والمحكمة ليست بعيدة في يومها عنه.

    والبشائر كثيرة لو تعلمون، لكن لا بدّ من الصبر.

    وها بين يدي حديث عجيب يبين لك افتراق الناس في مثل هذه الأحداث وكيف ستكون العاقبة ولمن ستكون، فقد روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من طريق أبي قتادة العدوي، عن يسير بن جابر، قال: (هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجير، إلا: يا عبدالله ابن مسعود جاءت الساعة، فقال: فقعد وكان متكئاً، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يُقَسّمُ ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا ونحاها نحو الشام فقال: عدوٌ يجمعون لأهل الاسلام ويجمع لهم أهل الاسلام، فقلت: الروم تعني؟ قال: نعم، قال: ويكون عند ذاكم ردة شديدة) [5].

    وفيه تفصيل لهذه الردة وما يحدث بعد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً قال: (لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليه جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبداً).

    أما كيف يقتل أهل الاسلام، فالتفصيل في حديث ابن مسعود رضي الله عنه فنعود إليه.

    قال: (فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتلون، حتى يفيء هؤلاء وهؤلاء، كلٌ غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الاسلام، فيجعل الله الدائرة عليهم، فيقتتلون مقتلة، إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها - والشك هنا من الراوي - حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخر ميتاً).

    وهذا الحديث عظيم وإن لم يأت تأويله بعد لكنه كأنه يصف حال الأخوة المجاهدين الأفغان من الطالبان والمجاهد الملا محمد عمر في عدم تسليمهم لأمريكا الشيخ المجاهد أسامة بن لادن حفظه الله تعالى أو اي أحد من الأخوة المجاهدين الأنصار، فإن قول الروم لجماعة من أهل الإسلام: "خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم"، هو كقول امريكا لطالبان خلوا بيننا وبين العرب والمجاهدين نقتلهم ونقاتلهم، فما كان جواب أهل الإيمان الا: "لا والله لا نخلي بينكم وبينهم... فإنه الدم الدم... والهدم الهدم".

    كما يبين منازل الناس في الفتن، وكيف يقع نصر الله تعالى على البقية الباقية من أهل الايمان.

    فقسمٌ من المسلمين يفر من المعركة، وهؤلاء لا يتوب الله تعالى عليهم أبداً، وقد رأينا شبيهاً بهؤلاء في هذه المحن كيف خذلوا أهل الاسلام، بل كيف أعانوا الكفرة الملاعين وأفتوا لهم بقتل المسلمين، وأصدروا الفتاوى العجيبة التي تمجها عقول الأسوياء فضلاً عن عقول أهل الايمان، بجواز مشاركة المسلم الكافر في قتل المسلمين، فهل هؤلاء يعودون الى خير، لا والله حتى ولو تابوا فإنهم لن يعودوا الى ما كانوا عليه.

    وقد بلغني عن أحدهم وقد خاض في الشر مع من خاضوا ثم آب الى رشده فهو في هم ونكد، فلما بلغني خبره قلت: هيهات أن يعود الى ما كان عليه، فإنه وإن تاب فأين الدماء التي سالت؟ وأين من ذهب مذهبه واستدل بأقواله؟ كيف يرجع ايمانه الى ما كان عليه، فالله المستعان.

    وأما طائفة الإيمان فهي طائفة البيعة مع الله تعالى، فهي التي يفتح الله تعالى عليها، ولا يفتح الله تعالى عليها حتى يذهب أكثرها، حتى إن الحديث في نهايته يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (فيتعاد بنو الأب كانوا مائة، فلا يجدون بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يُفرح؟ أو أي ميراث يقاسم؟).

    فأين هؤلاء الذين يتصورون نصراً أشبه بمهرجانات السيرك المزخرفة؟

    إن الأمر أمر دماء وأشلاء وبلاء، وهذه هي طبيعة المعارك اليوم ليس لها صورة إلا هذه، ولكن هذه الصورة لا تسقط الجهاد ولا تجعله حرباً مكروهة كما يريد بعض المأفونين تصويرها ليلزموا أهل الاسلام بالذل وقبول الرضوخ لأعدائهم.

    إنها حرب فيها القتل والدمار ولكن العاقبة للمتقين، وأما الجمع فسيهزمون ويولون الدبر ولا شك في وعد الله تعالى.

    إن البشائر والله كثيرة وعديدة، من فلسطين الحبيبة، الى أفغانستان أرض الآيات، الى الشيشان الأعجوبة، الى كل هذا الزخم الايماني المتعالي المتصاعد في كل الصعد.

    فأيُّ عيون عمياء هذه التي لا تبصر هذا؟!

    أما الذين يحصون عدد موتانا وسجنائنا وبذلك يقيسون الأمور، فقل لهم: إن زلزالاً صغيراً واحداً في مصر أو في تركيا أو في أفغانستان يحصد هذه الأعداد، بل احتراق قطار في مصر أودى بمئات القتلى، فمن أجمل ومن أعظم في ميزان الله تعالى وميزان الايمان والآخرة، موت هؤلاء شهداء في سبيل الله تعالى أم موتهم وأغلبهم في معصية وسكر وادبار عن الله تعالى؟!

    {نبؤني بعلم إن كنت صادقين}.

    ثم تذكر أن الله تعالى لم يَعد أهل الايمان أن لا يبتليهم ويقرمهم، بل حصول هذا هو من طبيعة الطريق لكن يحتاج الى الصبر كما قال صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) [6].

    فكما كانت معركة بدر نعمة ورحمة، فكذلك معركة أحد نعمة ورحمة، كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، قال: (فكان من حكمة الله تعالى ورحمته بالمؤمنين أن ابتلاهم، ليمحص الله الذين آمنوا، وينيبوا الى ربهم، وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من البغي والمكر والنكث والخروج عن شرائع الاسلام فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر، وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام، فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيتهم من الشر الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوهم لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف، كما أن نصر الله تعالى للمسلمين يوم بدر كان رحمة ونعمة، وهزيمتهم يوم أحد كانت نعمة ورحمة على المؤمنين) انتهى.

    إن اليأس من رحمة الله تعالى من الكبائر بل من اعظمها كما قال الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}، وأن من اعظمها اشاعته بين أهل الإسلام، كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: (من قال هلك الناس فهو اهلكهم).

    وقد عد رسولنا اليأس من الكبائر - كما في الحديث الصحيح -

    وإن من علم سنة صعود الأمم وهبوطها ومن قرأ تاريخ الحضارات وكيف تشاد وكيف تزول ليعلم علم اليقين من هو الذي من الفريقين في علو ومن هو في هبوط.

    انظر لهذه الأمة اليوم ووعيها وقارن هذا الوعي بما كانت عليه قبل،وكيف ميزت اصدقاءها من اعدائها وكيف ادركت الطريق الصحيح في التعامل مع خصومها، وكيف علمت حقيقة حكامها.

    لتكن دائما على ذكر بما قاله الحبيب صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض وسيبلغ ملكي ما زوي لي منها).

    وما تراه من مكرهم فاعلم انه في تباب.

    وما تراه من انفاقهم فسينفقونه ثم يكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا الى جهنم يحشرون.

    وأنك حين ترى هذه الجموع وهي تتدافع نحو الشهادة، وإنك حين ترى هذه الأم وهي تقدم ابنها لها وهي تعلم أنه لن يعود، وإنك حين تعلم أن أهل الإيمان يتفلتون من دنياهم كأنها الجرب ويركضون الى رضوان الله، ثم تنظر في الجهة المقابلة فترى كل خسة ونذالة، وترى تكالبا على الدنيا، وترى هبوطا أخلاقيا لا يتصور تعلم حينها لمن العاقبة إن كان لك بصر.

    قف عند هذه المعاني الايمانية يا عبد الله وارجع الى نفسك بالتأديب والتعليم، واستجمع ارادتك فلعلك تصيب ما أصابه أنس بن النضر رضي الله عنه في أحد، أو يقع عليك الوعد الالهي، وهو حقاً نراه.


    والحمد لله رب العالمين


    [1] حديث في الصحيح
    [2] حديث صحيح
    [3] حديث صحيح
    [4] حديث صحيح
    [5] هذا لفظ مسلم رحمه الله تعالى
    [6] حديث صحيح

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين يناير 23, 2017 11:52 am